الأزمات السياسية في دول مجلس التعاون الخليجي
تعتبر دول مجلس التعاون الخليجي التي تضم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت وسلطنة عمان والبحرين واحدة من أكثر المناطق استراتيجية في العالم بسبب ثرواتها النفطية الهائلة وموقعها الجيوسياسي المهم. ومع ذلك تواجه هذه الدول تحديات سياسية واقتصادية متزايدة قد تؤثر على استقرارها في المستقبل. وفقا لتقارير معهد بروكينغز شهدت المنطقة زيادة في التوترات السياسية الداخلية والخارجية خلال العقد الماضي حيث ارتفع عدد الأزمات السياسية المسجلة في دول الخليج العربي بنسبة 30% بين عامي 2010 و2020. من أبرز التحديات التي تواجهها دول الخليج العربي هي الانقسامات الدبلوماسية، مثل الأزمة الخليجية التي اندلعت في عام 2017 بين قطر من جهة وكل من السعودية والإمارات والبحرين من جهة أخرى. وفقا لتحليلات مركز كارنيغي للشرق الأوسط أدت هذه الأزمة إلى تعطيل التكامل الاقتصادي والسياسي بين دول المجلس حيث انخفضت التجارة البينية بنسبة 20% خلال فترة الأزمة. بالإضافة إلى ذلك تواجه دول الخليج العربي تحديات اقتصادية بسبب تقلبات أسعار النفط حيث تشكل عائدات النفط نحو 70% من إجمالي الإيرادات الحكومية في بعض الدول الأعضاء وفقا لتقارير صندوق النقد الدولي. مع توقعات بانخفاض الطلب العالمي على النفط في المستقبل قد تواجه هذه الدول أزمات مالية تؤثر على استقرارها السياسي.
المقدمة
في ظل الظروف والمتغيرات المحلية والدولية والإقليمية التي حصلت اثناء وبعد الربيع العربي وتغيير عدد من الانظمة السياسية في البلدان العربية وما خالفته من مطالب في التحول الديمقراطي فقد شهدت دول مجلس التعاون الخليجي في الفترة ما بين 2010 و2022 عدد من المطالب في التحول الديمقراطي والتعددية السياسية ومطالبات بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ونتيجة لذلك فقد شهدت دول مجلس التعاون الخليجي عدد من الازمات السياسية التي اثرت وخلقت حالة من التوتر اثرت على الانظمة السياسية في كلا الدولتين وان بعض الازمات كان لها تداعياتها المحلية والاقليمية والدولية.
الأزمات السياسية في السعودية
ان الازمات السياسية في المملكة العربية السعودية وما خلفته الازمات التي تعرضت لها السعودية من ازمات داخلية وخارجية وتداعياتها عليها وما خلفته من اثار وتداعيات على النظام السياسي والتحديات التي واجهتها من اجل السيطرة على هذه الازمات كان لابد من وضع دراسة استشرافية في مستقبل هذه الازمات والتنبؤ في مستقبل الازمات السياسية في السعودية يضعنا امام ثلاث سيناريوهات وهي تراجع الازمات واستمرار الازمات وبقاء الازمات. اولا: مشهد تراجع الازمات: ويقصد بتراجع الازمات من خلال الاجراءات التي اقدم النظام السياسي على اتخاذها من اجل الحفاظ على الاستقرار وذلك بعد ان تأثرت المملكة في احداث الربيع العربي من حدوث احتجاجات وصدمات بين المتظاهرين وقوات الامن في المنطقة الشرقية من المملكة المطالبين بالحقوق وتغير النظام وعليه اقدمت المملكة على اتخاذ بعض الاجراءات من اجل الحد من الازمة ومن هذه الاجراءات هي: اجراء الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية: بعد احداث الربيع العربي في المملكة واستمرار المطالبات بالإصلاح والديمقراطية قرار الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود في عام بأجراء اصلاحات اقتصادية واجتماعية شاملة وصرف رواتب لموظفي الدولة من مدنين وعسكرين وطلاب وباحثين عن العمل واقامة مشاريع سكنية وطبية. ونتيجة لذلك فقد قررت الحكومة اجراء اصلاحات منها اجراء تغيرات في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر[1] واصلاحات في النظام القضائي[2] والحوار الوطني[3] وعقد حوارات بين الاديان[4] وتغييرات في المؤسسة الدينية[5] وتعيين رئيس المجلس الاعلى للقضاء[6] وكذلك السماح للمرأة بالمناصب السياسية[7] ومجلس الشورى وحقوق الانسان والمرأة ومكافحة الارهاب والتطرف وتم تعديل السياسة الداخلية وارتباطها بالسياسة الخارجية وتسلم الوزارة الأمير محمد بن نايف آل سعود بدل عمه الأمير بندر بن عبد العزيز آل سعود ومهمته اقتلاع الاسلام السياسي في المملكة[8] وتشريع قوانين ترفض عمل الاخوان المسلمين والجماعات الاسلامية التي تهدد أمنها القومي. وعليه ومنذ ان اصبح الأمير محمد بن سلمان آل سعود وليا للعهد في عام 2017 فقد قام بأجراء عدد من الاصلاحات والتغيرات الجذرية في نظام الحكم وان الهدف هو تطوير المملكة وان اهم التغيرات التي طرأت في نظام الحكم في الاسرة الحاكمة هو انتقال السلطة الى الجيل الثالث (جيل الاحفاد / جيل الشباب) فقد تم تقليص من سلطة افراد الاسرة الحاكمة في الوزرات واجهزة الدولة من خلال شغل المناصب القيادية من قبل التكنوقراط وكذلك من الاصلاحات مكافحة الفساد الاداري والمالي وقد انشاة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وقد عمل على تمكين الشباب والمرأة داخل المجتمع السعودي والسماح للمرأة بقيادة السيارة وغيرها والسماح بإقامة المهرجانات الغنائية والموسيقية. اما الاصلاحات الأمنية فان التغيرات التي اجرتها المملكة في قطاع الامن والدفاع من اجراء تغيرات في القيادات العسكرية وكبار قادة الاستخبارات العامة وهيكلة وزارة الداخلية وانشاء رئاسة امن الدولة والنيابة العامة والهدف هو تطوير الاجهزة الامنية والارتقاء بها وفق التغيرات الضباط ومقر عمليات مشترك جديد وان الاعتبارات السياسية هي الدافع للأمير محمد بن سلمان آل سعود للتغيير القيادات وتحسين القدرات العسكرية للمملكة. واعلنت المملكة اجراء اصلاحات في منظومتها الأمنية ومن ضمنها هيكلة مؤسسات الرئاسة والتطورات ضمان اطار التحول الوطني في رؤية 2030 ومن الاصلاحات مكافحة التطرف ومكافحة الارهاب والتنظيمات الاسلامية المتشددة. اما الاصلاحات الاقتصادية التي اتخذتها المملكة حيث اقدمت على مجموعة من الاصلاحات الاقتصادية في عام 2011 بعد احداث الربيع العربي في المملكة، وأجرت اصلاحات في سوق العمل الهدف منها حل مشكلة البطالة. وقد عدلت الشركات الدولية العاملة في المملكة استراتيجيتها في الامتثال للقوانين والاصلاحات التي اطلاقتها الحكومة. وان الاصلاحات في الجانب الاقتصادي والمالي تعمل على رفع معدلات النمو الاقتصادي والحفاظ على الاستدامة المالية والاستقرار وذلك من خلال تنويع الاقتصادي وتمكين القطاع الخاص والاستثمار في القطاعات الغير مستغلة وتحسين البيئة الاستثمارية من اجل استقطاب المستثمرين المحلين والاجانب وتعديل السياسية المالية والسياسة النقدية. أطلق الأمير محمد بن سلمان آل سعود رؤية 2030 والتي كان الهدف منها هو السعي الى استقرار والامن وتطوير الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتعتبر رؤية 2030 خطوة مهمه تهدف الى تغير بنية الاقتصاد السعودي وتقليل الاعتماد على النفط واجراء عملية اصلاح اقتصادي شامل لبناء مجتمع متقدم ومستقل وتحقيق تنمية حقيقية ومحاربة الفساد والمحسوبية والهدر العام، وفرض الضرائب و فتح السوق للمستثمرين وكذلك الاهتمام بقطاع السياحة ونجحت المملكة من رفع الإيرادات الغير نفطية دلاله على نجاح الاصلاحات وارتفعت من 27 عام 2015 الی 37 عام 2018 وتراجع الإيرادات النفطية من 87% الى 63% واسهمت الاصلاحات من تحقيق التوازن المالي ضمن الرؤية. وعليه فان الاجراءات الاقتصادية تعتبر من المتغيرات التي تدفع المملكة الى استخدام امكانياتها الاقتصادية التي تعتبر عنصر اساسي من مقومات الدولة واقدمت المملكة على تطوير هذا القطاع الذي يرفد قدرتها السياسية بالدعم وتحتل السعودية المرتبة الأولى عالميا في احتياطي البترول والرابع عالميا من احتياطي الغاز وعليه فانه يتم استخدام الوفرة المالية في معالجة الأزمات الداخلية والمشكلات السياسية وذلك من خلال زيادة رواتب الموظفين في الحكومة والعديد من الاجراءات الاصلاحية التي كان لها الأثر الكبير تقديم الخدمات والرعاية للمواطنين وتوفير سبل العيش وغيرها من الاجراءات. اما الاصلاحات الاجتماعية التي اقدمت المملكة على تنفيذها منها رفع الحضر على قيادة المراة السيارة ورفع القيود على المرأة والسماح لها في العمل والغاء حضر على دور السينما والسماح بإذاعة الموسيقي في المناطق الترفيهية واقامة المهرجانات الغنائية واقامة عدد من المناطق السياحية والمنتجعات وكذلك ايضا تقليل الاعتماد على العمالة الوافدة من خلال تقليص الاعداد عن طريق ترحيلهم الى بلدانهم وكذلك تشريع عدد من القوانين والتشريعات المتعلقة بالأسرة. الاتفاق السعودي الايراني: وقع ممثلاً السعودية وايران على الاتفاق في العاصمة الصينية بكين في 10 مارس 2023 على عودة العلاقات بين البلدين وكان الاتفاق برعاية صينية واثار ردودا ومواقف عربيه واقليمية دوليه تباينت بين المرحب والحذر والمشكك من الالتزام وخاصة الجانب الامريكي. وكان هذا الاتفاق بوساطة عراقية وبدأت المفاوضات في أبريل 2021 لتخفيف التوتر وعودة العلاقات الدبلوماسية بينها وقد سبق الاتفاق خمس جولات تفاوضية لمناقشة تسوية القضايا العالقة بين البلدين في المنطقة، وكذلك قد ساهم العراق وسلطنة عمان في نجاح الاتفاق وكان الدافع السعودي للاتفاق الحرب اليمنية وتقليص التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة وانتهاج استراتيجية متوازنة في سياستها الخارجية وتسعى لتوفير الأمن والاستقرار بعيد عن التهديدات وتتفرغ لخطط التنمية اما الدوافع الايرانية استبدال الحلفاء المعادين بحلف مضاد وتحاول تخفيف التصعيد في البرنامج النووي عن طريق تخفيض الضغط الغربي عن طريق اشراك الصين في العمليات في المنطقة وكذلك الاضطرابات الداخلية والاوضاع الاقتصادية الناتجة عن العقوبات الغربية. وعليه فان الاتفاق المبرم فمن المتوقع ان تحقيق المنطقة عدد من المكاسب المباشرة والسريعة وتزايد الفرص لتحقيق نتائج استراتيجية ايجابية طويلة المدى، ومن هذه المكاسب التي تتحقق في المدى القصير تحويل الهدنة الى حل سلمي دائم وكذلك على المدى البعيد انفراجات سياسية تدريجية في كل من العراق ولبنان وسوريا من خلال اعادتها الى الجامعة العربية والتفاوض والتوافق على الترتيبات الأمنية في الخليج العربي.
مشهد استمرار الازمات
يستند هذا السيناريو على عدة مشاهد توكد على استمرار الازمات في المملكة العربية السعودية على مختلف انواعها منها المحلية والاقليمية، سواء كانت سياسية او اقتصادية او اجتماعية وان هذه الازمات قد توثر على النظام السياسي في المملكة مما يؤدي الى استمرار هذه الازمات ما لم يتم معالجة هذه الأزمات فانه سوف تتمر بالظهور وتربك الاوضاع الداخلية في المملكة وعليه فان هذا السيناريو يستند الى عدة مشاهد توكد استمرار الازمات وهي:
- الصراع بين الاسرة الحاكمة: شهدت المملكة العربية السعودية عدد من الصراعات والتنافس داخل الاسرة الحاكمة وحدثت العديد من المشاكل والخلافات والنزاعات مع كل عملية انتقال السلطة بالرغم من وجود نص في النظام الاساسي للحكم يحدد من يتولى الحكم كما جاء في المادة الخامسة منه (يكون الحكم من ابناء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل ال سعود واولاد الابناء يتولون القيادة بالتعاهد بكتاب الله وسنة رسوله). وازدادت الصراعات مع كل عملية نقل السلطة لعدم وجود قواعد واصحة تنظم العملية، وازدادت النزعات مع ظهور الجيل الثالث (جيل الاحفاد) الذي يتنافس وبقوة على الوصل الى العرش.
وعليه فان تطور الصراع بين الاسرة الحاكمة لم يكن امر مستغرب مع اقصاء الاجنحة الأخرى من العائلة وان العائلة الحاكمة تلجئ دائما الى حل الصراعات الداخلية بالسر فان الصفة السرية هي الغالبة في عملية صنع القرار في المملكة باعتبار حل مشاكل الحكم شان داخليا وانها دائما تلجا دائرة النفوذ داخل الأسرة الحاكمة على ارضاء الاجنحة الأخرى عن طريق توزيع المناصب الحكومية بين أفراد العائلة. وفضلا عن ذلك فان وجود مجموعة كبيرة من امراء الجيل الثالث والمختلفين في العمر الثقافة والنشأة وطريقة التفكير قد تكون واحده من الاسباب التي تدفعهم الى الصراع فيما بينهم على السلطة فان توالي احد الامراء للحكم وتعيين احد ابناه ولي للعهد سوف يؤدي الى حالة من عدم الاستقرار وذلك لان بقية الأمراء كل منهم يرى ان له الاحقية بتولي العرش دون سواه مما سوف يخلق حالة من التنافس والصراع.
- التدخلات الايرانية وزيادة نفوذها في المنطقة: شهدت العلاقات السعودية الايرانية منذ فترة طويلة حالة من التوتر والتنافس وعندما بدأ الربيع العربي اشتد الصراع السعودي الايراني خارج اراضيها، وشهدت الساحة الاقليمية حالة من التوتر الطائفي والسياسي في المنطقة في كل من العراق والبحرين وسوريا واليمن وفلسطين سبب في توتر العلاقات وكذلك ايضا التنافس على القيادة وصدارة في العالم الاسلامي والعربي واشتد الخلاف مع دعم ايران الجماعات المعارضة في هذه الدول من اجل ان يكون لها موطئ قدم في هذه الدول عن طريق الاطراف التابعة لها، وكذلك ايضا حادثت التدافع الحجاج في منى التي قتل عدد من الحجاج الايرانيين وايضا قضية اعدام الشيخ نمر النمر التي أدت الى توتر العلاقات بين الطرفين وقطع العلاقات الدبلوماسية.
وعليه فان اهم مظاهر الصراع بين الجانبين تتمثل من خلال ما تقوم به ايران من تأثير على توجهات دول المنطقة بما يتلائم مع مصالحها وان المملكة ترفض ذلك وتعتبره تدخل على مناطق نفوذها الاستراتيجية في مناطق الجوار حيث ان التدخلات الايرانية في المنطقة وتوسع نفوذها في بعض الدول العربية مما يسبب حالة من التوتر وخلق عدد من الازمات في المنطقة مما يودي الى تراجع الدور السعودي، وكذلك اثارة المشكلات الداخلية في المملكة من خلال تبني ومساندة المعارضة في المملكة والنشاط الاعلامي العدائي لبعض الاحداث التي تقع في المملكة وفضلا عن ذلك الملف النووي الايراني وما يشكل من تهديد على منطقة الخليج العربي.
- تأثيرات العمالة الوافدة: بعد ازدياد حجم العمالة الوافدة الى المملكة اصبحت خطرا يهدد النظام السياسي مخلفا آثار سلبية على جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية وان الأعداد الكبيرة المتواجدة في المملكة تهدد الأمن الوطني للدولة، وانها تختلف عن المجتمع السعودي في كثير من العادات والتقاليد واللغة والدين مما يسبب تواجدها عدد من الآثار السياسية والامنية من خلال نشر تقاليدهم وافكارهم السلبية التي يحاولون نشرها التي تسبب خطر على امن المجتمع وسلامته فاغلب حالة السرقة والمخدرات والتسول والتجسس تقع على يديهم وفضلا عن ذلك فان للعمالة الوافد تأثير متبادل على العلاقات السياسية بين دول هذه العمالة وقد يؤدوا دورا بارز في تدهور العلاقات مع بلدنهم والمملكة.
وكذلك فان للعمالة الوافدة اثار اقتصادية اثرت على اقتصاد المملكة من خلال زيادة التحويلات المالية الى الخارج واتي تشكل جزء كبير من إيرادات الدولة، والتي يكون لها اثار سلبية على الاقتصاد وايضا تشكل تحديا على ميزانية الدول من خلال الضغط على الخدمات والسلع التي تقدم لهم ولعوائلهم منها الخدمات التعليمية والصحية وغيرها التي تسبب ضغط على الانفاق العام وايضا سببت انتشار البطالة بين المواطنين السعوديين بسب التكلفة المالية القليلة التي تعمل بها مما يؤدي الى مزاحمة المواطن السعودي على العمل وتشكل العمالة الوافدة عاقا اما خطط تطوير وتأهيل الكوادر الوطنية.
- انخفاض اسعار النفط: تعتبر السعودية من الدول الريعية والتي تعتمد في اقتصادها على سلعة واحدة وهي النفط بشكل اساسي ورئيسي فان المملكة تتأثر بشكل ايجابي وسلبي بتقلبات اسعار النفط والطلب العالمي عليه وقد عانت المملكة من انخفاض الاسعار ويبرز هذا التأثير على الناتج المحلي والاجمالي وعلى ايرادات الدولة وعلى القطعات الاقتصادية والسياسية وعلى السياسية المالية بشكل اقوى مما يودي الى حصول عجز في ميزانية الدولة.
وعليه فان الدول المنتجة للنفط او التي تعتمد على ايراداته بشكل كبير تعاني من مشاكل اقتصادية متعددة نتيجة الانخفاض وان الانخفاض يؤدي الى انخفاض الايرادات وعجز في ميزانية الدولة وكذلك ادى الانخفاض الى تخفيض الموازنات والاستثمارات والغاء المشاريع التنموية، وانخفاض معدلات النمو الاقتصادي وغيرها من التداعيات والآثار. وعليه فان المملكة العربية السعودية قد تأثرت بانخفاض اسعار النفط نتيجة اعتمادها على النفط بشكل اساسي وعدم تنويع مصادر الدخل وقد تأثرت اسعار النفط نتيجة جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية و مما أدى الى تراجع الاسعار وبدوره واجهت السعودية عدد من المشاكل منها عجز في الميزانية العامة وتراجع المشاريع التنموية، وتقليل النفقات الحكومية وغيرها من الآثار الاخرى.
مشهد بقاء الازمة على ما هي عليه
يستند هذا المشهد على بقاء الأوضاع على ماهيه دون حصول اي تغير في الازمات ورغم كل هذه الإصلاحات، فإن الشيء الذي لم يطرأ عليه تغيير في السعودية يتمحور حول الغموض الذي يكتنف صناعة القرار في المملكة وبعد هذا السبب وراء حالة عدم اليقين حيال الدوافع الحقيقية للسلطات السعودية في الدفع بهذه الإصلاحات ويرى المنتقدون أن الاختلاف بين التحرر الاجتماعي والتحرر السياسي لا يزال إشكالية وأشارت العديد من المنظمات الحقوقية إلى استمرار القيود على المرآه فعلى الرغم من إلغاء حظر قيادة المرأة للسيارة، يستمر حبس ناشطات طالبن في السابق بوقف هذا الحظر. كذلك لا تزال السعودية تتصدر دول العالم في تنفيذ عقوبة الإعدام، على الرغم من وعود ملكية بتخفيف العقوبة هناك بعض التغيرات لكن لا يوجد اختلاف حقيقي في طريقة التعامل مع السجناء السياسيين أو المدى المسموح به في حرية الرأي. وتؤكد هذه الإصلاحات لا تؤثر على وضع حقوق الإنسان على نحو حقيقي، وحتى يحدث هذا، فسوف تظل هذه الإصلاحات دعاية. وعليه فأننا نرجح المشهد الأول وهو تراجع الازمات السياسية والاقتصادية وذلك وفق للمعطيات المتوفرة التي تؤكد تراجع الازمات من خلال الاصلاحات التي اطلقها النظام السياسي وكذلك الوفرة المالية التي تدعم السلطة في السيطرة على الازمات من خلال اطلاق المنح والوظائف وغيرها التي تمكنها من التغلب على الازمات الداخلية والخارجية وكذلك الاتفاق السعودي الايراني وتداعيات الاتفاق على دول المنطقة اليمن وسوريا ولبنان والعراق وتخفيف حدة التوتر بين الطرفين واسترجاع العلاقات الدبلوماسية.
الازمات السياسية في البحرين
ان الازمات السياسية في البحرين يضعنا امام ثلاث سيناريوهات في دراسة مستقبل لأزمات ومنها مشهد تراجع الازمات ومشهد استمرار الازمات ومشهد بقاء الوضع كما هو عليه:
مشهد تراجع الازمات
يستند هذا المشهد على تراجع الازمات الى عدة مشاهد تؤيد هذا المشهد من خلال الاجراءات التي اقدم عليها النظام السياسي في السيطرة على هذه الازمات من خلال القيام بعدد من الاجراءات والاصلاحات للسيطرة عليها: الاصلاحات السياسية والاقتصادية والامنية والاجتماعية: اقدم النظام السياسي البحرين على اتخاذ عدد من الاصلاحات للسيطرة على الأوضاع الداخلية بعد أن شهد عدد من الازمات، وان الاصلاحات السياسية التي لجا اليها النظام السياسي في البحرين الى عدد من الإصلاحات السياسية بعد التداعيات الاحتجاجات الشعبية، وعلية فقد اطلاق ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة في 21 فبراير 2011 مبادرة للحوار الوطني[9] داعيا الجماهير من مختلف الجهات الى ضرورة اجراء الحوار من اجل الوصول حل للاحتجاجات الشعبية ومطالب الجماهير من اجل فرض الاستقرار والهدوء وتمسكت عدد من الاحزاب والجمعيات بها. وكذلك ايضا من الاصلاحات تشكيل لجنة تقصي الحقائق وفق المرسوم الملكي رقم 29/2011، ونصت على اجراء دراسات استطلاعية حول اسباب الاحتجاجات وتشكيل لجنة ملكية مستقلة والتحقيق في انتهكاك حقوق الانسان.[10] وكذلك من الاصلاحات السياسية اجراء تعديلات دستورية وقانونية واسعة النطاق تلتقي مع مطالبات الاحتجاجات الشعبية وان تعديل الدستور احد مطالب المتظاهرين. ومن التعديلات الدستورية اجراء انتخابات 2014 و2017 و2018. اما الاصلاحات الامنية فأقدمت السلطات البحرينية على مجموعة من الاصلاحات في منها اصلاح نظام المشتريات العسكرية بعد ارتفاع كلفة الانفاق على المشتريات من الاسلحة وكذلك التخفيف من حدة الاحتجاجات الشعبية وان الهدف من تقليل المشتريات العسكرية هو تحقيق الشفافية والمسالة وايضا معالجة الاختلالات المالية في البحرين بعد انخفاض اسعار النفط بالإضافة إلى ذلك فإن إحدى التوصيات التي دعت إليها لجنة تقصي الحقائق هي إصلاح النظام الأمني بما في ذلك الدمج الكبير للشيعة في قطاع الأمن وانسحاب وكالات إنفاذ القانون من الأمن القومي والتزام الأجهزة الأمنية الالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان وشفافية عمليات التوقيف والاستجواب وإلغاء المحكمة العسكرية وتسليمها إلى المحاكم المدنية وعينت الحكومة قائد شرطة ميامي السابق جون تيموني ورئيس الشرطة البريطاني السابق جون ييتس لإصدار تعليمات لها بتبني تكتيكات تفي بالمعايير الدولية. ومن الاصلاحات الاقتصادية التي شهدتها البحرين مجموعة من الاصلاحات لتحسين الواقع المعيشي لمواطنيها وتحسين اقتصاد الدولة عن طريق تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط[11]، وان الاصلاحات الاقتصادية دعمها ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة وكانت تدعم خفض الاعتماد على العمالة الاجنبية من خلال توفير تدريب شامل على الوظائف للبحرينيين[12]، وجذب الاستثمارات الاجنبية الى مراكز للخدمات المالية وخلق اقتصاد قوي وغير هش وتقليل الاعتماد على النفط وتقليل الاعتماد على السعودية. ونتيجة لانخفاض اسعار النفط صدر أمر ملكي بتشكيل حكومة مصغرة داخل الحكومة تختص بحل المشكلات المالية بعد انخفاض اسعار النفط ورغم تعرض الاقتصاد البحريني إلى عدة هزات الا انه لم ينهار.[13] وكذلك قدمت البحرين جهودها لأنشاء مركز مالي وتعتبر البحرين مركز ماليا اقليميا رئيسا وبالأخص التمويل الاسلامي، وايضا تعتبر جهودها في جعل اسواق العمل أكثر ديناميكية وجعل العمال ينتقلون ما بين اصحاب العمل ونموذج لاصلاح نموذج الكفالة في دول مجلس التعاون الخليجي وتم دمج المرأة في المجال الاقتصادي واغلب العاملات في القطاع العام. الدعم السعودي للبحرين: تعتبر العلاقات السعودية البحرينية نموذجا متقدما للعلاقات الثنائية المستندة الى اطار متين من القواسم المشتركة والارادة السياسية الثابتة وانها ذات طابع متكامل من حيث العمق الاستراتيجي وتاريخية الامتداد والمصير. وان العلاقات فيما بينهم تتسم بكونها علاقات تشهد تطورا مستمرا على مستويات مختلفة من خلال الرؤى المشتركة والثوابت التي تجمع بينهما ويظهر ذلك من خلال الدعم العسكري عند انطلاق الاحتجاجات في البحرين 2011 عندما دخلت قوات درع الجزيرة الى البحرين بطلب من الملك للسيطرة على الاوضاع ودعم سيطرة النظام السياسي ومحاولة تحجيم دور المعارضة وكذلك المخاوف من تنامي قوة ايران في المنطقة. وكذلك عملت المملكة على دعم الاقتصاد البحريني من حين الى اخر وقد خصصت الرياض صندوقا ب 5 مليارات دولار أمريكي للاستثمار في البحرين. وايضا قدمت السعودية والامارات والكويت دعمها للبحرين في عام 2021 في جهود برنامج التوازن المالي البحريني. والهدف منها دعمها للدخول في سوق السندات وقدمت مساعدات الى البحرين عام 2018 بقيمة 10 مليارات دولار أمريكي لتجنب لتراجع الائتماني.
مشهد استمرار الازمات
يستند هذا المشهد على عدد من المشاهد التي توكد على استمرار الازمات السياسية وذلك وفق بعض المعطيات التي توكد على استمرارها وذلك لان النظام السياسي لم يتخذ الاجراءات أو القرارات او الاصلات التي تودي الى تراجع هذه الازمات ومن المشاهد التي تؤيد ذلك هي:
- الخلافات بين الأسرة الحاكمة: شهد البحرين عدد من الخلافات بين الاسرة الحاكمة بين الملك حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة وعمه رئيس الوزراء الأمير خليفة بن سلمان بن حمد آل خليفة على خلفية الاصلاحات التي اطلاقها الملك حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة من اجل السيطرة على الاوضاع وتهدئة الشارع وعدم التصعيد وقد أوشك ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة على توصل الى اتفاق مع النشطاء على الحوار، ولكن تحالف من رجال الدين والعلمانيين رفضوا الحوار وعليه فان وجود المتشددين وتصاعد الاحتجاجات والعنف يودي الى زيادة توتر في الاوضاع الداخلية في البحرين وان الانقسامات تودي الى الجمود في عملية التغير والاصلاحات السياسية.
- التدخلات الايرانية: تأزمت العلاقات البحرينية الايرانية بعد الاحتجاجات في البحرين 2011 وذلك بعد دخول درع الجزيرة الى البحرين واستنكرت ايران دخول القوات ووصفته بالعمل المشين وانهم سيدفعون الثمن ولن يقفون مكتوفي الأيدي وطردت طهران دبلوماسيين بحرينيين ونظمت تظاهرات امام السفارة السعودية. وتقدمت ايران بشكوى الى الامم المتحدة واعلنت البحرين التحركات الايرانية تدخل في الشؤون الداخلية وتعددت اشكال التدخلات الايرانية في البحرين دبلوماسيا واعلاميا وماليا. وتستخدم ايران ثلاث جهات للتدخل في البحرين على الصعيد السياسي والاقتصادي والعسكري فعلا الصعيد السياسي تستخدم بعض القوى الناعمة والصلبة في دعم بعض القوى المعارضة في البحرين من خلال دعم هذه القوى عن طريق اطلاق روايات ونشاطات هذه القوى التي تعارض النظام السياسي، اما على الصعيد العسكري فأنها تدعم بعض الفصائل التي تعارض النظام بالأسلحة والتدريب لشن هجمات ضد قوات الأمن. اما على الصعيد الاقتصادي فانه يستخدم الانشطة الغير مشروعة والغير قانونية للالتفاف على العقوبات واستغلال النظام المالي البحريني عن طريق الفساد الذي تديره بنك المستقبل الذي يقوم بالتحويلات المالية، وعلية فانه يحاول استخدام العامل الايديولوجي والديني عن طريق استغلال الشيعة والزعماء الدينين للسيطرة على المنامة، وادعاء بعض المسؤولين ان البحرين تعتبر جزء من ايران.
- التوترات الطائفية: شهدت البحرين عدد من التوترات السياسية والطائفية بين طوائفها وعليه فانه ينظر الى الصراع الطائفي في البحرين على انه صراع بين القوتيين الاقليميتين في المنطقة المملكة العربية السعودية وايران، وان الخلافات لا تقتصر على البعد الداخلي فقط وانما على البعد الخارجي بل على القضايا الاجتماعية والقانونية والثقافية والاقتصادية في البحرين. وبعد احداث الربيع العربي وما خلفته من تطورات اجتماعية وسياسية واقتصادية في الدولة. ومن القضايا التي عززت الانقسام الطائفي عملية التجنيس السياسي الذي يعتبر من القضايا الخلافية بين النظام والمعارضة ومن العوامل التي ادت الى استمرار التوتر وذلك نظر لتبعاته التي يشكلها من التغير في الهوية والانتماء الوطني وايضا تعتبر سياسية التميز الطائفي من القضايا التي تعزز الانقسام وكذلك التدخلات الخارجية تعزز التوتر بين الطوائف.
مشهد بقاء الوضع كما هو عليه
يستند هذا المشهد في بقاء الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية كما عليها أي بقاء الوضع دون ان يقوم بأي اجراءات او اصلاحات مما يودي اصابة الازمة بالجمود وعدم وجود دوافع للخروج منها وايضا بقاء الاسرة الحاكمة بالسلطة دون تغير أو التحول الى النظام الديمقراطي والسماح للقوى الأخرى في المشاركة السياسية وعملية صنع القرار، وان ما الاصلاحات التي اطلاقتها لم يتم تنفيذها وذلك من خلال الدعم التي حصلت عليه البحرين من دول المجلس وبالأخص السعودية التي كانت تخشى من امتداد الازمة اليها وكذلك حصلت على المساعدات الاقتصادية والعسكرية من المملكة عند دخول قوات درع الجزيرة للسيطرة على الأوضاع، وكذلك ايضا بقاء الازمات الاجتماعية كما هي دون حل منها مسالة الفقر والبطالة ومشكلة الفوارق الطبقية ومشكلة التجنيس السياسي وغيرها من الازمات.
الخاتمة
إن مستقبل الازمات السياسية في السعودية والبحرين سوف يتراجع وذلك وفق للمعطيات المتاحة منها ونتيجة للإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والامنية في كلا الدولتين كما ان الاتفاق السعودي الايراني والدعم السعودي للبحرين قد انعكس ايجابيا على الأوضاع الداخلية والخارجية لكلا الدولتين. ان مستقبل الازمات السياسية في كلا السعودية والبحرين سوف يستمر وذلك وفق المعطيات المتاحة منها استمرار الصراعات بين الأسر الحاكمة والتدخلات الايرانية وانخفاض اسعار النفط وتأثير العمالة الوافدة والتوترات الطائفية.
مصادر
- ↑ "تقرير: أين ذهبت هيئة الأمر بالمعروف في السعودية؟".
- ↑ "إصلاح الأنظمة والقوانين.. وتفعيل القضاء المؤسسي".
- ↑ "ملتقى الحوار الوطني يبدأ أعماله بالسعودية".
- ↑ "ملتقى القيم المشتركة بين أتباع الأديان: يجب تعزيز السلام والتضامن حول العالم".
- ↑ "المؤسسة الدينية السعودية.. الحصاد المُر".
- ↑ "الفهيد يشكر خادم الحرمين الشريفين على تعيينه أميناً للمجلس الأعلى للقضاء".
- ↑ "تقرير (فانا)..المرأة السعودية تسير بطموح وتمكين في رؤية 2030".
- ↑ "كيف نجحت السعودية في محاربة التنظيمات المتشددة؟".
- ↑ "مبادرة ولي العهد".
- ↑ "لجنة تقصي الحقائق: المسار.. التحديات، والتقييم (1-".
- ↑ "خبراء: تنويع مصادر الدخل يخفف من الاعتماد على الإيرادات النفطية".
- ↑ ""تمكين": دعم تدريب وتوظيف أكثر من 8 آلاف بحريني و2500 مؤسسة منذ بداية العام الجاري".
- ↑ "قرار ملكي حكيم بتشكيل حكومة مصغرة".